لم تثنها الإعاقة التي فرضت عليها نتيجة العامل الوراثي بعد الصف الرابع عن طموحها في الدراسة، ولم تستسلم نهلة إبراهيم للقدر الذي جعلها تتحول من فتاة نشيطة تذهب للمدرسة التي تبعد عن بيتها خمس دقائق لمتابعة تحصيلها العلمي، إلى فتاة تعجز عن المشي، بل حاولت الوصول للمدرسة حتى لو تطلب منها ذلك ساعة كاملة بدلاً من الدقائق الخمس للوصول إلى المدرسة ذاتها في سباق التصميم والإرادة للوصول إلى مقاعد الدراسة قبل التوقف نهائياً والبحث عن وسيلة كفيلة بتحقيق الأماني والطموحات التي لا تقف عند حدود في متابعة الدراسة والوصول إلى الجامعة.
تقول نهلة: كانت الأمور تسير بشكل طبيعي حتى الصف الرابع، حين توقفت عن المشي وتالياً الدراسة، وحاول أهلي مساعدتي لكن البيئة المحيطة بنا لا تقبل واحداً من ذوي الإعاقة، وشخصياً أحب تسميتهم ذوي الإرادات القوية، وكانت لي شقيقة توفيت هذا العام قالت لي آنذاك قبل عشر سنوات: إن هناك جمعية تعنى بموضوع الدراسة، ويتطلب ذلك جلوسي في دار الكرامة لمتابعة الدراسة، ومع أن الأهل في البداية عارضوا الفكرة، ووالدتي قالت لي: نبيع بيتنا من أجل إحضار المدرسين لك، لكنني رفضت وقلت لها: لست أنانية لأضحي بالبيت من أجل دراستي، صحيح أنني أحب الدراسة كثيراً، لكنني لا أسمح لنفسي ببيع بيت أهلي من أجلي وهذه أنانية لا أقبل بها.
الانتقال لدار الكرامة
ومع إصراري وتصميمي انتقلت لدار الكرامة، وقابلت رئيسة الجمعية المعنية التي قالت لي: بقي لامتحانات الصف السادس ثلاثة أشهر وقد تغير المنهاج وأنصحك بالإعداد للسنة القادمة، فرفضت ذلك وقلت لها سأدخل معك في تحد، وقالت لي حينها: «إذا رسبت سيسحب اسمك من الجمعية» فوافقت، وبالفعل بدأت الدراسة ليلاً ونهاراً ولم أسترح إلا وقت الطعام، وألغيت الجوال والنزهات، لأتفوق في امتحانات الصف السادس، وتعجبت رئيسة الجمعية مني، وقالت ستتقدمين للصف السابع، فقلت لها: بل سأتقدم للتاسع، وبعد العطلة الصيفية بدأنا التمهيد لدراسة الصف التاسع، وبالفعل خلال ثلاث سنوات تمكنت من الحصول على الشهادات الثلاث السادس والتاسع والثانوية العامة، وتالياً الوصول إلى الجامعة، واختيار دراسة علم الاجتماع.
تضيف نهلة صاحبة الإرادة القوية: كانت نظرة الناس في البداية من باب العطف والشفقة، فشعرت بداية بضيق لكن ذلك زاد من إصراري وتصميمي على التحدي الأكبر، واليوم في السنة الثانية لعلم الاجتماع، ولسان حالي يقول:«تعو شوفو هلي عما تقولو عنها ياحرام شو راح تعمل».
«الرامبات» أول الصعاب
أما أولى الصعاب التي واجهت نهلة فتمثلت بعدم وجود الرامبات التي يمكن للمعوق أن يستخدمها للدخول إلى قاعات الدراسة، خاصة في ظل غياب المصاعد، وما دفعني –كما تقول- للتوجه إلى عميد الكلية وقلت له: ليس من أجلي فقط، بل من أجل العديد من الذين حالهم مثل حالتي، ويحرصون على متابعة دراستهم وأرجو أن تلاحظوا أهمية وجود «رامبات» في مباني الكليات فدهش للأمر بقوله: أول مرة يلفت نظري أحدهم لذلك، واحتاج الأمر سنة كاملة لإنجاز الدراسات وتحقيق ذلك.
المعاناة الأبرز
لكن أصعب شيء أثر وحز في نفسي ومنذ سنوات عديدة هو عدم تمكني من الحصول على الوظيفة بالرغم من قيامي بمراجعة المحافظة ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ودائماً كانوا يقولون لي: «مافي شاغر» أنت من ذوي الإعاقة ماذا ستعملين، مع العلم أنني أجيد العمل جيداً على الحاسوب، وآمل أن يصل صوتي من خلال جريدتكم الغراء، لأن وضعي المادي صعب جداً، وهناك مصاريف في الجامعة تتطلب الحصول على الوظيفة، ويحاول أهلي بذل أقصى جهد ممكن لمساعدتي مع أن والدي لا يمشي ووالدتي مريضة لا تستطيع الحركة.
وتضيف: حتى في نسبة الـ(4%) التي يتم الحديث فيها عن تخصيصها لذوي الإعاقة لم أستفد منها طوال عشر سنوات من المراجعة، وربما لأنني لا أملك «الواسطة» كغيري الذين حظوا بالموافقة على الوظيفة، وآمل أن أوفق في الحصول عليها لمتابعة طموحاتي في الدراسات العليا، الماجستير والدكتوراه. ثم التدريس في الجامعة ومساعدة الآخرين من ذوي الإعاقة الذين لم يستطيعوا متابعة دراستهم لأسباب صحية ومادية، وأتطوع لذلك مجاناً، ولا أريد لأحد أن يحرم من الدراسة، وأي فرد يطلب مني المساعدة سأقدمها له من دون أي مقابل لأن همي هو رسم الابتسامة على وجوه الناس

print