«هل يعقل أن يوجد بين مقهى الإنترنت والمقهى مقهى آخر»، عبارة قالها الرجل الخمسيني بعصبية، فـ «أبو حسين» أب لثلاثة أولاد أكبرهم في الصف العاشر، أجبرته الظروف على النزوح من مدينته دير الزور والسكن مع عائلته في جرمانا، وقد تصادف وجود مقهى انترنت في البناء الذي يسكن فيه، وتحت ضغوطات الظروف والملل وتغيير البيئة رضخ لرغبة أولاده، ووافق على طلبهم بالنزول إلى ذلك المقهى الذي تحول بمرور الوقت من مجرد مكان للتسلية إلى مكان يقيمون فيه بشكل شبه دائم.. يقول أبو حسين وهو مدرس لغة عربية، كلنا يعلم أن الإنترنت سلاح ذو حدين، فيه الإيجابيات والسلبيات، لكن من خلال تجربتي أؤكد أن تلك المحلات جعلت منه نقمة وليس نعمة، فأولادي وغيرهم من مراهقين وشباب كثر لم يكتسبوا من إيجابياته إلا أشياء بسيطة مقابل ما حل بهم من تغييرات نفسية أخذتهم بشكل تدريجي إلى نوع جديد من أنواع الإدمان والهوس، وهي هواجس لم تشغل باله وحده، بل تقاسمها مع كثيرين من الآباء والأمهات والاختصاصيين الذين طالبوا خلال لقائنا بهم الجهات المعنية والمختصة بمتابعة هذه المقاهي وفرض رقابة وعقوبات صارمة على المخالفة منها وإغلاقها إن لزم الأمر.
نظرة للوراء
مقاهي الإنترنت أماكن اصطفت فيها الحواسيب وملحقاتها من طابعة وميكروفونات وكاميرا وغيرها على طاولة تحيط بها حواجز على اليمين واليسار، تتوفر فيها خدمة الدخول للإنترنت، وأسعارها تتفاوت حسب خدماتها، إذ إن البعض منها لا يزال تقليدياً، بينما القسم الآخر اتسم بطابع الحداثة حيث توجد فيه صالة ألعاب للبلياردو وتقدم فيه الأركيلة والمشروبات، وللعلم فإن هذه الظاهرة قديمة متجددة وليست وليدة اليوم أو البارحة، حيث أشار الدكتور حليم أسمر الأستاذ في قسم تربية الطفل بكلية التربية في حلب خلال وقفة «لتشرين» معه إلى أنها بدأت بالانتشار في نهاية القرن العشرين في بريطانيا، ثم أخذت بالتمدد إلى دول العالم ومن بينها الدول العربية، وكان الدافع وراء افتتاحها تحقيق الربح المادي، وقد حاولت من خلال الجمع بين مفهوم المقهى القديم والمفهوم المعاصر للإنترنت، جذب الشباب والمراهقين الذين وجدوا فيها خياراً مناسباً لتمضية أوقات الفراغ ولاسيما في أيام العطل وخلال ساعات التقنين الكهربائي الطويلة، وفرصة للولوج إلى عالم الانترنت وكسر الحدود والقيود بكل أشكالها ومسمياتها، حتى الأطفال بين عمر 8 سنوات إلى 14سنة، كانت لهم مساحة ضمن جدرانها وعلى طاولاتها، فقد بين الكثير من الدراسات أن شريحة الرواد من الأطفال والمراهقين وصلت إلى نسب عالية، وهي نسب لم يحاول إخفاءها أصحاب المقاهي لدى مواجهتهم بها، لأنها واضحة للعيان ومستمرة في أيام الدراسة والعطل على حد سواء.
لماذا يقبل عليها الشباب؟
‏في واحد من تلك المقاهي حطت رحلتنا وأثناء محاولتنا معرفة لماذا يقبل عليها الشباب؟ تنوعت الإجابات، وكان لكل زبون من الزبائن هدف وغاية وسبب وراء تعلقه بذلك المكان، فمنهم من جاء يركض وراء مواقع الدردشة لعله ينسى أنه عاطل عن العمل، وآخر مراده مشاهدة الفتيات الجميلات ومتابعة أخبار الفن والفنانين، وقلة قصدوها للبحث والاستكشاف العلمي، أما الأقسى فكان وجود الأطفال الذين انخرطوا في هذا الجو من دون رقيب أو حسيب، فالطفل عدي الذي بدا الإعياء على وجهه قال: أقضي هنا في الصالة حوالي الأربع ساعات، وأحياناً أنسى نفسي حتى ساعة متأخرة، فليس لدي كمبيوتر ولا إنترنت ولا أحد يسأل عني في ظل وجود خالتي زوجة أبي ومعاملتها الظالمة.
وهنا يبين الدكتور أسمر أن ظاهرة التفكك الأسري وغياب المراقبة الوالدية تعد من أهم أسباب الإقبال على هذه الأماكن، يضاف إليها أوقات الفراغ في ظل غياب الأنشطة والأعمال التطوعية، ومن الأسباب أيضاً حب الفضول للتعرف إلى عوالم جديدة، ويقف إلى جانبها سيطرة الفردية والأنا والانفعالية والرغبة في تقليد الآخر وهو الأمر الذي تتميز به الأمم الاستهلاكية، ولا ننسى بالطبع توفر السيولة المادية لدى البعض لأن ساعات هذه المقاهي مأجورة، وأخيراً يمكننا إدراج غياب الرقابة الالكترونية وعدم وجود معايير لاستخدام الانترنت بين الأسباب.
مساوئ بالجملة
الانزعاج من وجود هذه المقاهي كان لافتاً للانتباه عندما حاولنا رصد آراء الناس بشأن هذه الظاهرة، وهو لم يقتصر على الأهل فحسب، بل اتسع ليطول جيران تلك المقاهي والمدرسين الذين تلاقت آراؤهم مع رأي وضاح السواس- رئيس مكتب التقانة والمعلوماتية في منظمة طلائع البعث- الذي قال في تصريح خاص لـ«تشرين»: الإيجابيات الكثيرة للإنترنت لا يمكن أن تغطي على سلبياته، وإذا ما خصصنا الحديث عن مقاهي الإنترنت فإن أخطر ما فيها أن تلك الأماكن لا تفصل بين الكبار واليافعين والأطفال، وهو ما يؤدي إلى التأثير في السلوكيات ولاسيما الأطفال، أضف إلى ذلك أن المقاهي لا توجد فيها رقابة صارمة، كما ان البعض من أصحابها لا يهمهم إلا الكسب والربح وهذا ما يجعلهم يغضون النظر عن دخول زبائنهم إلى المواقع الممنوعة حتى لو كانوا من الأطفال، كما أنها تعلمهم التجسس على الأسرار الشخصية داخل وخارج المنزل.
بدوره الدكتور أسمر بين أن المقاهي باتت أماكن لهدر الوقت ويمكن أن يتعرف روادها من جميع الشرائح والأعمار إلى بيئات التعصب والإرهاب، كما أنها تعلم العديد من أساليب السرقات عبر الشبكة العنكبوتية، وفيها تزداد احتمالية تحول الأطفال والمراهقين إلى مدخنين فعليين أو مدخنين سلبيين بسبب أجوائها المغلقة، ومن مخاطرها أيضاً التأثير في نفسيات المراهقين والشباب وسلوكياتهم وطريقة تفكيرهم بسبب صحبة رفاق السوء.
يذكر سامي ناصر وهو مهندس معلوماتية أن تلك المقاهي تعد بيئة خصبة لتشكيل عصابات نهب وسرقة، حيث يتم تعارف أفرادها ومعظمهم من المراهقين أثناء جلوسهم فيها.
ولا تتوقف مخاطر المقاهي عند هذه الحدود، فقد لفت الدكتور جمال إبراهيم الحمود استشاري طب نفسي إلى أن هناك سلبيات تظهر نتيجة الجلوس فترات طويلة فيها، أهمها على الصعيد النفسي والشخصي العزلة الاجتماعية التي تعد معياراً أساسياً عند تشخيص الاضطرابات النفسية، ولها دور في الإنذار بالأمراض النفسية فكلما ازدادت العزلة ساء الإنذار (قلة فرص الشفاء)، كما أن لزيارة المواقع التي تبث سمومها في عقول شبابنا الذي يهرب إليها دوراً في ظهور الاضطرابات الجنسية، وفي ارتفاع نسبة العنف وهو ما تمت ملاحظته في السنوات الأخيرة وخلال الأزمة في صفوف الشباب والأطفال نتيجة ممارستهم الألعاب المبنية على العنف.
خرجت عن السيطرة
تمكين الزائرين والقادمين من خارج المدينة والأشخاص الذين لا يملكون حاسوباً أو لديهم إنترنت من التصفح وإنجاز أعمالهم عن طريق خدمات الإنترنت في المقاهي، أهداف كانت الأساس في اختراع هذه الفكرة التي خرجت للأسف عن السيطرة والمراقبة، كما نوه المهندس ناصر الذي رأى أنه يجب تنظيم المهنة وفرض قيود واضحة على المستثمرين وتوعيتهم بالقوانين ومنع دخول الأطفال والاختلاط بين الأعمار المختلفة، وأن تمنح التراخيص لأصحاب الاختصاص في مجال المعلوماتية، وهنا لابد من التساؤل عن دور الجهات المختصة وعن الشروط الفنية؟
المهندس فريد فياض- مدير المهن والرخص في محافظة دمشق تحدث عن الشروط الفنية بالقول: يجب ألا تقل مساحة القسم المخصص للكمبيوترات في الركن عن 15 متراً، وأن يوجد فيها أربعة أجهزة قابلة للعمل، وفي حال إضافة أي جهاز جديد يجب أن تزيد المساحة (2) متر مربع لكل جهاز.
ويجب أن يراعي التصميم الداخلي توفير الخصوصية لكل جهاز، وألا تكون هناك غرف مستقلة أو كبائن أو قواطع من أي مادة وبأي ارتفاع ما يمكّن الجهات الرقابية من سهولة المراقبة عن بعد، كما يمنع التضليل وحجب الرؤية عن واجهات الركن، وأن تكون زجاجية شفافة مع إضاءة كافية لمراقبته من الداخل والخارج، ويمكن تخصيص جزء منفصل كبوفيه لتجهيز المشروبات ووجبات الطعام، وفتح سجل سنوي للمرتادين تسجل فيه المعلومات المتعلقة بالاسم مع صورة عن الهوية الشخصية والرقم الوطني وساعة الدخول والخروج، ويحتفظ بالسجل مدة خمس سنوات على الأقل، وعدم ارتياد أماكن الإنترنت لمن يقل عمره عن 15 سنة من دون ذويهم، وعدم الدخول باللباس المدرسي النظامي.
وعن آلية المراقبة يقول فياض: تشكل لجنة دائمة بقرار من المحافظ تضم في عضويتها ممثلاً عن الوحدة الإدارية ومندوباً عن مؤسسة الاتصالات ومندوباً عن الجهة الأمنية المختصة، مهمتها القيام بجولات تفقدية ودورية لمراكز الإنترنت، لكن هذه اللجنة معطلة منذ عام 2012 وهي على الورق سارية المفعول، وحرصنا مؤخراً على مخاطبة المحافظ لإعادة تفعيلها، وتحديد ساعات الفتح والإغلاق بقرار من المكاتب التنفيذية في المحافظة، وإغلاق الركن في حال مخالفته لأحكام القرار ومن دون سابق إنذار، وضرورة تسميته باللغة العربية.
ويضيف فياض: إن كل مهنة تتطلب الحصول على الموافقة الأمنية وينذر صاحبها المخالف مرة واحدة للحصول على الترخيص، ويغلق محله لحين الحصول عليها.
وفيما يتعلق بالعقوبات قال المهندس راني السهلي من مديرية المهن والترخيص: إذا كان الركن غير مرخص وهناك قرار صادر بحقه من المحافظة لإغلاقه مدة غير محددة، يغلق المحل مدة 37 يوماً، ويمكن استبدال كل يوم من الإيقافات بغرامة مالية مقدارها 3000 ليرة عن كل يوم، وفي الإغلاق الثاني لا يحق له الاستبدال إلا بعد ثلاثة أيام من إغلاقه حتماً، وبالقيمة المادية نفسها عن كل يوم، وفي الإغلاق الثالث بعد سبعة أيام، أما عند الإغلاق الرابع فلا يحق له الاستبدال إلا بعد الحصول على الترخيص.
مقترحات للحل
في ختام جولتنا أكد الاختصاصيون أن القوانين يمكن أن تنفع إذا نفذت بحذافيرها من دون «واسطات» أو محسوبيات، وبالنسبة للدكتور أسمر فإن الحل للخروج من سيطرة هذه الأماكن على عقول أبنائنا يكمن في استثمار أوقاتهم عبر تفعيل الأنشطة الرياضية والترفيهية والبيئية وغيرها من الأنشطة التي تبعدهم عن الفوضى وتساعدهم على تفريغ طاقاتهم السلبية وتحويلها إلى طاقات ايجابية يساهمون من خلالها في بناء المجتمع والدولة.

print